ابن قيم الجوزية
311
الروح
بالنسبة إلى جنب عظمة الرب تعالى وما يستحقه بجلال وجهه وعظم سلطانه هذا لو كانت أعماله منه فكيف وهي مجرد فضل اللّه ومنته وإحسانه حيث يسرها له وأعانه عليها وهيأه لها وشاءها منه وكونها ، ولو لم يفعل ذلك لم يكن له سبيل إليها ، فحينئذ لا يرى أعماله منه ، وأن اللّه سبحانه لن يقبل عملا يراه صاحبه من نفسه حتى يرى عين توفيق اللّه وفضله عليه ومنته وأنه من اللّه لا من نفسه وأنه ليس له من نفسه إلا الشر وأسبابه ، وما به من نعمة فمن اللّه وحده ، صدقة تصدق لها عليه ، وفضلا منه ساقه إليه من غير أن يستحقه بسبب ويستأهله بوسيلة ، فيرى ربه ووليه ومعبوده أهلا لكل خير ويرى نفسه أهلا لكل شر ، وهذا أساس جميع الأعمال الصالحة والظاهرة والباطنة وهو الذي يرفعها ويجعلها في ديوان أصحاب اليمين . ثم تبرق له في نور تلك اليقظة بارقة أخرى يرى في ضوئها عيوب نفسه وآفات عمله وما تقدم له من الجنايات والإساءات وهتك الحرمات والتقاعد عن كثير من الحقوق والواجبات ، فإذا انضم ذلك إلى شهود نعم اللّه عليه وأياديه رأى أن حق المنعم عليه في نعمه وأوامره لم يبق له حسنة واحدة يرفع بها رأسه فيطمئن قلبه وانكسرت نفسه وخشعت جوارحه وسار إلى اللّه ناكس الرأس بين مشاهدة نعمه ومطالعة جناياته وعيوب نفسه وآفات عمله قائلا أبوء لك بنعمتك علي ، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، فلا يرى لنفسه حسنة ولا يراها أهلا لخير فيوجب له أمرين عظيمين . أحدهما : استكثار ما منّ اللّه عليه . والثاني : استقلال ما منّه من الطاعة كائنة ما كانت . ثم تبرق له بارقة أخرى يرى في ضوئها عزه وشرفه وأنه رأس مال سعادته فيبخل به أن يضيعه فيما يقربه إلى ربه فإن في إضاعته الخسران والحسرة والندامة وفي حفظه وعمارته الريح والسعادة فيشح بأنفاسه أن يضيعها فيما لا ينفعه يوم معاده « 1 » . فصل ثم يلحظ في ضوء تلك البارقة ما تقتضيه يقظته من سنة غفلته من التوبة والمحاسبة والمراقبة والغيرة لربه أن يؤثر عليه غيره وعلى حظه من رضاه وقربه وكرامته بيعه بثمن بخس في دار سريعة الزوال وعلى نفسه أن يملك رقها لمعشوق
--> ( 1 ) أي يوم القيامة .